وهبة الزحيلي

26

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهذا الجزاء في مقابل جزاء الكافرين السابق ذكره : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ فكما أن للكافرين النيران ، يكون للمؤمنين الجنان أجر عملهم . ومن صفات هؤلاء العاملين : الصبر والتوكل : الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي إن أولئك المؤمنين الذين صبروا على القيام بواجبات دينهم من صلاة وصيام وهجرة في سبيل اللّه ، وجهاد الأعداء ، ومفارقة الأهل والأقرباء ابتغاء وجه اللّه ، وتحمل أذى المشركين ، وتوكلوا على ربهم وفوضوا إليه أمورهم في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ، فقاموا بما يجب عليهم ، ثم تركوا أمر تحقيق النتائج إلى ربهم ، من نصر ونجاح ورزق وعزة وغير ذلك . وذكر صفتي الصبر والتوكل هنا مناسب للمقام ، فإن الهجرة والجهاد وترك الأوطان ومفارقة الإخوان تتطلب الصبر على تحمل الأذى ، والمواظبة على عبادة اللّه تعالى والتوكل عليه . ثم ذكر اللّه تعالى ما يعين على التوكل وهو معرفة أن اللّه هو الكافي في رزق مخلوقاته فقال : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ، اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي إن الرزق لا يختص ببقعة ، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين وجدوا ، فكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها ، ولا تستطيع جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئا لغد ، اللّه يقيض لها رزقها على ضعفها ، وييسره لها ، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه ويكفيه ، سواء كان في باطن الأرض ، أو طيرا في الهواء ، أو حوتا في الماء ، واللّه هو السميع لأقوال عباده ، العليم بضمائرهم وأسرارهم وما في قلوبهم .